ملاحظات وإقتراحات
سرعل حكايةُ جمالٍ بين الجبلِ والوادي

سرعل حكايةُ جمالٍ بين الجبلِ والوادي

إسُمٌ مُتجَذِّرٌ في السّريانيّة «شُورودعولايا»، ويعني «الأَسوار العالية» التي تُجسِّد هيبتها وعراقتها.

 تقع في قلب شمال لبنان، ضمن قضاء زغرتا، وتتربّع على ارتفاعٍ يتراوح بين 600 و750 مترًا عن سطح البحر، في موضعٍ مميّز يلتقي فيه ملامح الجبل مع سكون الوادي، وقد امتدّت جذورها إلى العصور الفينيقيّة، التي تركت آثارها في أرضها وتراثها وذاكرة أهلها.

 

ومن  هذا الإرث المتوارث، نسجت سرعل مسيرتها بالكفاح، واتّكأت في معيشتها على فلاحة الأرض بوصفها ركيزةً إقتصاديةً وإجتماعيّةً،  فتنوّعت محاصيلها ، بين التّين والزّيتون والقمح، حتّى غدت تلك الرّبوع صفحةً من عطاءٍ متواصلٍ.

 وفي خِضمّ هذه البساطة الريفية ، برع سكّانها في  حياكة القصب، وهي حِرفةٌ لم تكن مجرّد عملٍ يدويّ، بل دلالةًعلى صلةٍ وثيقةٍ بين الإنسان وبيئته.

 

 وبحكم موقعها بين الجبل والساحل، أضحت مُلتقىً تجاريّاً نابضاً، ارتقى فيه سوقها القديم من حيّز البيع والشّراء إلى ساحةٍ يَؤُمُّها النّاس وأبناء القرى المجاورة،  فتشتدّ بينهم الرّوابط. 

 ولا يزال هذا السّوق قائمًا إلى يومنا هذا، شاهدًا على ذاكرة المكان، وملامح زمنٍ كان أكثر صفاءً وأشدّ رسوخاً في الوجدان. 

 

ويتقاطع فيها البُعد الإجتماعي مع البُعد الروحي فتبرز في حضرة وادي قاديشا، وادي القدّيسين  ملامح إرثٍ  روحيٍّ عريقٍ ، وتشهد الأديرة والكنائس الأثريّة على هذا الامتداد.  

 وتُروى في أخبارها أنّ القدّيسة رفقا مرّت بمحطّة علاجٍ روحيّةٍ في البلدة ،  حيث خضعت للعناية تحت رعاية الخوري القديس يوسف أبي مارون معتوق،  أحد الوجوه  الكهنوتية البارزة ومشروع قداسةٍ، وأثره باقٍ،  شاهداً حيٌ على زمنٍ من الإيمان العميق.

وفي هذا السّياق، تجاوز حضورها الإطار المحلّيّ ، إذ حافظ سكّانها على صمودٍ راسخٍ في موطنهم، فيما أسهم المهاجرون في توسيع  إنتشارها عبر العالم ، فاستمرّ بذلك توازنٌ بين الجذور والسند البعيد . وكان لذلك أثرٌ في انفتاح لبنان على الخارج،  من خلال صناعة الحرير، بوصفها جسرًا اقتصاديًّا وثقافيّاً ربط الجبل بمحيطه الأوسع. 

أمّا اليوم فقد انتشر  أبناؤها في الولايات المتّحدة الأميركيّة وكندا وفنزويلا وأستراليا، وغَدَوا سفراء لها في مختلف أصقاع الأرض، حاملين هويّتها أينما حَلُّوا.

وهكذا تتجلّى سرعل لا كبلدةٍ فَحسب، بل كحكاية إنسانٍ تَجمَعُ بين الصّمود والإنفتاح، وبين الجذور والامتداد، في تجربةٍ تختصر جوهر الثّبات أمام التّحوّلات.

ولعلّ أبلغ ما يُختصر به هذا المعنى ما جاء في عنوان كتاب العميد الدكتور فردريك معتوق: «شجاعةُ الحياةِ وثباتُ الإيمان»، وهي خلاصة مسيرة إنسانٍ أدرك أنّ الحياة، رغم ما تحمله من صعابٍ، تبقى قائمةً على ما يترسّخ في القلب من ثباتٍ ومعنى.


الإنتاجية البلدية

المجموع: 0
قيد الانتظار: 0
مقبول(ـة): 0
قيد التجهيز: 0
منجز(ـة): 0
مرفوض(ـة): 0

الأعضاء